حكاية الإمام الشافعي ومدي العلم الذي وصل له مع الملك هارون الرشيد أمير المؤمنين

حكاية الإمام الشافعي ومدي العلم الذي وصل له مع الملك هارون الرشيد أمير المؤمنين

جيء بالإمام الشافعي أسيرا بين يدي هارون الرشيد وفي يديه ورجليه الحديد، وذاك أنه كان ممن خرجوا على الرشيد مع عبد الله بن الحسن،

فقيل للرشيد ممن حوله أن على الباب رجل يقال له محمد بن إدريس الشافعي من آل هاشم وهو كذاب ومدعي للعلم وهو من زعماء الخوارج

فأدخلوا الشافعي مقيد بالسلاسل فقال الرشيد: ما عذرك

فقال الشافعي: «لو اتسع لي الكلام على ما بي لما شكوت، لكن الكلام مع ثقل الحديد يعور فإن جدت علي بفكه تركت كسره إياي، وفصحت عن نفسي، وإن كانت الأخرى فيدك العليا، ويدي السفلى، والله غني حميد».

فقال الرشيد لغلامه: يا سراج، حل عنه.

فأخذ ما في قدميه من الحديد، فابتدر الكلام، فقال: «والله يا أمير المؤمنين لأن يحشرني الله تحت راية عبد الله بن الحسن، وهو ممن قد علمت لا ينكر عنه اختلاف الأهواء، وتفرق الآراء، أحب إلي وإلى كل مؤمن من أن يحشرني تحت راية قطري بن الفجاءة المازني».

وكان الرشيد متكئًا فاستوى جالسًا، وقال: صدقت وبررت، لأن تكون تحت راية رجل من أهل بيت رسول الله وأقاربه إذا اختلفت الأهواء خير من أن يحشرك الله تحت راية خارجي

قد صدقت يا ابن إدريس فكيف بصرك بكتاب الله تعالى؟ فقال له الشافعي:
” عن أي كتاب الله تسألني؟
فإن الله سبحانه وتعالى أنزل ثلاثةً وسبعين كتابًا على خمسة أنبياء
وأنزل كتابًا موعظةً لنبي وحده
وكان سادسًا، أولهم آدم عليه السلام، وعليه أنزل ثلاثين صحيفةً كلها أمثال
وأنزل على أخنوخ وهو إدريس عليه السلام ست
عشرة صحيفةً كلها حكم وعلم الملكوت الأعلى. وأنزل على إبراهيم عليه السلام ثمانية صحف كلها حكم مفصلة فيها فرائض ونذر.
وأنزل على موسى عليه السلام التوراة كلها تخويف وموعظة.
وأنزل على عيسى عليه السلام الإنجيل ليبين لبني إسرائيل ما اختلفوا فيه من التوراة
وأنزل على داود عليه السلام كتابًا كله دعاء وموعظة لنفسه حتى يخلصه به من خطيئته وحكم فيه لنا واتعاظ لداود وأقاربه من بعده.

وأنزل على محمد صلى الله عليه وسلم الفرقان وجمع فيه سائر الكتب، فقال: {تبيانًا لكل شيء} [النحل: 89] , {وهدًى وموعظةً} [آل عمران: 138] , {أحكمت آياته ثم فصلت} [هود: 1] “

فقال له الرشيد: قد أحسنت في تفصيلك، أفكل هذا علمته؟ فقال له: «إي والله، يا أمير المؤمنين». فقال له الرشيد: قصدي كتاب الله الذي أنزله الله على ابن عمي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي دعانا إلى قبوله، وأمرنا بالعمل بمحكمه، والإيمان بمتشابهه

فقال الشافعي: «عن أي آية تسألني؟ عن محكمه، أم عن متشابهه؟ أم عن تقديمه؟ أم عن تأخيره؟ أم عن ناسخه؟ أم منسوخه؟ أم عن ما ثبت حكمه وارتفعت تلاوته، أم عن ما ثبتت تلاوته وارتفع حكمه، أم عن ما ضربه الله مثلًا؟ أم عن ما ضربه الله اعتبارًا؟ أم عن ما أحصى فيه فعال الأمم السالفة؟ أم عن ما قصدنا الله به من فعله تحذيرًا؟» قال: بم ذاك؟ حتى عد له الشافعي ثلاثةً وسبعين حكمًا في القرآن.

فقال له الرشيد: ويحك يا شافعي أفكل هذا يحيط به علمك. فقال له: «يا أمير المؤمنين المحنة على القائل كالنار على الفضة، تخرج جودتها من رداءتها، فها أنا ذا , فامتحن».

فقال له الرشيد: وكيف بصرك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقال له الشافعي: «إني لأعرف منها ما يخرج على وجه الإيجاب، ولا يجوز تركه، كما لا يجوز ترك ما أوجبه الله تعالى في القرآن، وما خرج على وجه التأديب، وما خرج على وجه الخاص لا يشرك فيه العام، وما خرج على وجه العموم يدخل فيه الخصوص، وما خرج جوابًا عن سؤال سائل ليس لغيره استعماله، وما خرج منه ابتداءً لازدحام العلوم في صدره، وما فعله في خاصة نفسه واقتدى به الخاصة والعامة، وما خص به نفسه دون الناس كلهم، مع مالًا ينبغي ذكره لأنه أسقطه عليه السلام عن الناس وسنه ذكرًا».

فينظر الرشيد للشافعي تارة ومن وصفوه بالجهل والكذب والخارجية تارة وهم لا يدرون ماذا يقولون

فقال له الرشيد: أخذت الترتيب يا شافعي لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأحسنت موضعها لوصفها

فقال الرشيد: كيف بصرك بالعربية؟ قال: ” هي مبدأنا وطباعنا بها قومت، وألسنتنا بها جرت، فصارت كالحياة لا تتم إلا بالسلامة، وكذلك العربية لا تسلم إلا لأهلها، ولقد ولدت وما أعرف اللحن، فكنت كمن سلم من الداء ما سلم له الدواء، وعاش بكامل الهناء. وبذلك شهد لي القرآن: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} [إبراهيم: 4] يعني قريشًا – وأنت منهم وأنا منهم، يا أمير المؤمنين، والعنصر نظيف، والجرثومة منيعة شامخة، أنت أصل ونحن فرع وهو صلى الله عليه وسلم مفسر ومبين، به اجتمعت أحسابنا، فنحن بنو الإسلام، وبذلك ندعى وننسب “

فقال له الرشيد: صدقت، بارك الله فيك.
ثم قال له: كيف معرفتك بالشعر؟
فقال: «إني لأعرف طويله، وكامله وسريعه، ومجتثه، ومنسرحه، وخفيفه، وهزجه، ورجزه وحكمه، وغزله، وما قيل فيه على الأمثال تبيانًا للأخبار، وما قصد به العشاق رجاءً للتلاق، وما رثى به الأوائل ليتأدب به الأواخر، وما امتدح به المكثرون بابتلاء أمرائهم، وعامتها كذب وزور، وما نطق به الشاعر ليعرف تنبيهًا، وحال لشيخه فوجل شاعره وما خرج على طرب من قائله، لا أرب له، وما تكلم به الشاعر فصار حكمةً لمستمعه»، فقال له الرشيد: اكفف يا شافعي فقد أنفقت -في الشعر ما ظننت أن أحدًا يعرف هذا ويزيد على الخليل حرفًا ولقد زدت وأفضلت. فكيف معرفتك بالعرب

قال: «أما أنا فمن أضبط الناس لآبائها وجوامع أحسابها، وشوابك أنسابها، ومعرفة وقائعها، وحمل مغازيها في أزمنتها وكمية ملوكها وكيفية ملكها، وماهية مراتبها، وتكميل منازلها، وأندية عراضها ومنازلها، منهم تبع وحمير، وجفنة، والأسطح، وعيص وعويص، والإسكندر، وأسفاد، وأسططاويس، وسوط، وبقراط، وأرسططاليس، وأمثالهم من الروم إلى كسرى وقيصر، ونوبة، وأحمر، وعمرو بن هند، وسيف بن ذي يزن، والنعمان بن المنذر، وقطر بن أسعد، وصعد بن سعفان، وهو جد سطيح الغساني لأبيه في أمثالهم من ملوك قضاعة وهمدان ولحيان ربيعة ومضر». فقال له الرشيد: يا شافعي، لولا أنك من قريش لقلت: إنك ممن لين له الحديد، فهل من موعظة؟ فقال الشافعي: «إنك تخلع رداء الكبر عن عاتقك، وتضع تاج الهيبة عن رأسك، وتنزع قميص التجبر عن جسدك، وتفتش نفسك، وتنشر سرك، وتلقي جلباب الحياء عن وجهك، مستكينًا بين يدي ربك. وأكون واعظًا لك عن الحق، وتكون مستمعًا بحسن القبول؛ فينفعني الله بما أقول، وينفعك بما تسمع»

منقول عن : صفحة روائع من التاريخ الإسلامي

قد تحب قراءة : 
ـ موقف مميز لأمير المؤمنين عبد الله بن الزبير بمعركة سبيطلة

ـ طريقة تشكيل الحروف العربية بلوحة المفاتيح

ـ قصة الحاجب المنصور والأسيرات الثلاثة وقوة المسلمين بعهده

ـ موقف جميل بين سيدنا عمر بن الخطاب وسيدنا أبو عبيدة عند تفقد الجيش الإسلامي بالشام

ـ قوانين الزواج في الدولة العثمانية ماذا تعرف عنها ؟

ـ معلومات جميلة من سيرة صلاح الدين الايوبي تعرف عليها الآن

ـ هل تعرف من هو اشجع جاسوس في التاريخ ؟

ـ كيف كان حال سيدنا عمر بن عبد العزيز حين تلقي خبر توليه خلافة المسلمين ؟

ـ ماذا لو أن سيدنا خالد بن الوليد فجَّر كنيسة عين التمر وقتل مَن فيها؟

ـ ما كان رد الإمام الحسن البصري والإمام الشعبي علي مخالفة والي العراق لأوامر أمير المؤمنين وقتها ؟

ـ جهاد المرابطين ضد أهل مدينة برغواطة بالمغرب الإسلامي

ـ موقف الشيخ محمد بن واسع الأزدي مع جيش قتيبة بن مسلم المعسكر بالقرب من مدينة بيكند

ـ ما موقف القعقاع بن عمرو بعد مقتل خالد بن يعمر في معركة القادسية ؟

ـ قوة المسلمين ضد المرتدين في معركة اليمامة

أضف تعليق