كيف كانت مراحل تنشئة الطفل المملوكي قديما ؟

كيف كانت مراحل تنشئة الطفل المملوكي قديما ؟
يقول المقريزي “إن أول المراحل في حياة المملوك هي أن يتعلم اللغة العربية قراءة وكتابة، ثم بعد ذلك يُدفع إلي من يعلمه القرآن الكريم، ثم يبدأ في تعلم مبادئ الفقه الإسلامي.
وآداب الشريعة الإسلامية.. ويُهتم جداً بتدريبه على الصلاة، وكذلك على الأذكار النبوية، ويُراقب المملوك مراقبة شديدة من مؤدبيه ومعلميه، فإذا ارتكب خطأً يمس الآداب الإسلامية نُبه إلى ذلك، ثم عوقب”.
لهذه التربية المتميزة كان أطفال المماليك ينشئون عادة وهم يعظمون أمر الدين الإسلامي ، وتتكون لديهم خلفية واسعة الي حد كبير عن الفقه الإسلامي، وتظل مكانة العلم والعلماء عالية عند المماليك طيلة حياتهم.

وهذا ما يفسر النهضة العلمية الراقية التي حدثت في زمان المماليك، وكيف كانوا يقدرون العلماء حتى ولو خالفوهم في الرأي ، ولذلك ظهر في زمان دولة المماليك الكثير من علماء المسلمين الأفذاذ.
من أمثال العز بن عبد السلام والنووي وابن تيمية وابن القيم الجوزية وابن حجر العسقلاني وابن كثير والمقريزي وابن جماعة وابن قدامة المقدسي رحمهم الله جميعاً، وظهرت أيضاً غيرهم أعداد هائلة من العلماء يصعب حصرهم.
ثم إذا وصل المملوك بعد ذلك إلى سن البلوغ جاء معلمو الفروسية ومدربو القتال فيعلمونهم فنون الحرب والقتال وركوب الخيل والرمي بالسهام والضرب بالسيوف، حتى يصلوا إلى مستويات عالية جداً في المهارة القتالية، والقوة البدنية، والقدرة على تحمل المشاق والصعاب.
ﺣَﻴﺚ ﻛﺎﻥ ﺭﺍﻣﻲ ﺍﻟﺴِﻬﺎﻡ ﺍﻟﻤَﻤﻠﻮﻛﻲ ﻳَﻘﺒﺾ ﺑﺎﻟﻌﺪﻳﺪ ﻣِﻦ ﺍﻟﺴﻬﺎﻡ ﻓﻲ ﻳَﺪﻩ ﺭُﺑﻤﺎ ﺗَﺼﻞ ﺇﻟﻰ ﺧَﻤﺴﺔ ﻓﻲ ﻭﻗﺖ ﻭﺍِﺣﺪ ، منهم سهم ﻣُﺮكب ﻓﻲ ﻃَﺮﻑ ﺍﻟﻘَﻮﺱ ﻭﺛﻼﺙ ﺃﻭ ﺃﺭﺑﻊ ﺃﺧﺮﻯ ﺑَﻴﻦ ﺭﺍﺣﺔ ﻳَﺪﻩ ﻭﺑَﻴﻦ ﺍﻷﺻﺎﺑﻊ ﺍﻟﺜﻼﺙ ﺍﻷﺧﻴﺮﺓ ﻓﻲ ﻳَﺪﻩ ﺍﻟﻘﺎﺑﻀﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘَﻮﺱ .
لذا ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺠُﻨﺪﻱ ﺃﺛﻨﺎﺀ ﻋَﻤﻠﻴﺔ ﺍﻟﺮﻣﺎﻳﺔ ﻻ ﻳَﻠﺠﺄ ﺍﻟﻰ ﺟُﻌﺒﺘﻪ ﺑَﻴﻦ ﻛﻞ ﻗَﺬﻑ ﻟﺴَﻬﻢ ﻭﺍَﺧﺮ ، ﻭﻳَﻀﻊ ﻣُﺪﺭﺏ ﺭَﻣﻲ ﺍﻟﺴِﻬﺎﻡ ﻣِﻌﻴﺎﺭﺍََ ﻟﻠﺮﻣﻲ ﻳَﺒﻠﻎ ﺛﻼﺛﺔ ﺳِﻬﺎﻡ ﺧِﻼﻝ ﺛﺎﻧﻴﺔ ﻭﻧِﺼﻒ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻓﻘﻂ ﻛَﻤُﻌﺪﻝ ﻣَﻄﻠﻮﺏ ﻟﻠﺘﺨﺮﺝ ﻣِﻦ ﻣﺪﺭﺳﺔ ﺍﻟﺮَﻣﻲ ﺍﻟﻤَﻤﻠﻮﻛﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺎﻫﺮﺓ ، ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﻛُﺘﻴﺒﺎﺕ ﺍﻟﻤَﻤﺎﻟﻴﻚ ﺗُﻮﺿﺢ ﻟﻨﺎ ﻣَﻔﻬﻮﻣﺎََ ﻣُﺬﻫﻼ ﻟﺪِﻗﺔ ﺍﻟﻘَﺬﻑ ﺗَﺒﻠﻎ ﻣِﺘﺮﺍََ ﻭﺍﺣﺪﺍََ ﻋﻦ ﺍﻟﻬَﺪﻑ ﻛﺒﺪﺍﻳﺔ ﺣَﺘﻰ ﺗَﺼﻞ مسافة الهدف ﺇﻟﻰ ﺧَﻤﺲُ ﻭﺳَﺒﻌﻴﻦ ﻣِﺘﺮﺍََ.
ثم يتدربون بعد ذلك على أمور القيادة والإدارة ووضع الخطط الحربية، وحل المشكلات العسكرية، والتصرف في الأمور الصعبة، فينشأ المملوك وهو متفوق تماماً في المجال العسكري والإداري، وذلك بالإضافة إلى حمية دينية كبيرة، وغيرة إسلامية واضحة.. وهذا كله – بلا شك – كان يثبت أقدام المماليك تماماً في أرض القتال.
دولة المماليك وكل ما سبق يشير إلى دور من أعظم أدوار المربين والآباء والدعاة، وهو الاهتمام الدقيق بالنشء الصغير، فهو عادة ما يكون سهل التشكيل.
ليس في عقله أفكار منحرفة، ولا عقائد فاسدة، كما أنه يتمتع بالحمية والقوة والنشاط، وكل ذلك يؤهله لتأدية الواجبات الصعبة والمهام الضخمة على أفضل ما يكون من الأداء.

أضف تعليق